بقلم: شيرين فريد
في خضم الطفرة الثقافية التي يشهدها الخليج اليوم، تتجه الأنظار إلى المشاريع الكبرى والمتاحف الحديثة والبيناليات الدولية. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ تكشف حقيقة أساسية: البحرين كانت الأولى في تأسيس حركة تشكيلية حديثة ومنظمة في الخليج العربي، قبل عقود من تشكّل البنى التحتية الثقافية في دول الجوار.
هذا الطرح لا يستند إلى خطاب إنشائي، بل إلى دراسة بحثية موثقة بعنوان:
“تطور الفن التشكيلي العربي – البحريني – الخليجي”
إعداد طالبة الماجستير شيرين فريد، والتي ركزت بشكل تحليلي على التجربة البحرينية بوصفها النواة المبكرة للحراك التشكيلي في المنطقة.
البحرين: الجذر الذي سبق المؤسسة
تشير الدراسة إلى أن الحركة الفنية الحديثة في البحرين بدأت منذ أربعينيات القرن العشرين، من خلال جهود فردية وروح عصامية لفنانين رواد مثل ناصر اليوسف وعبد الكريم العريض ، عبد الكريم البوسطة، راشد العريفي وعباس المحروس الذين أسسوا لثقافة بصرية انطلقت من الأسواق والمكتبات والفضاءات الشعبية، لا من مؤسسات رسمية.
لقد تشكّلت التجربة البحرينية من :
أ- عميق بالمكان: المحرق، المنامة، البحر، النخيل
ب-توارث تقني ومعرفي بين الأجيال
ج-تأسيس جمعيات فنية منذ خمسينيات القرن الماضي
د-إطلاق معرض سنوي للفنون التشكيلية منذ عام 1972
وتؤكد الدراسة أن هذا التراكم منح البحرين ما يمكن تسميته بـ الاستمرارية الثقافية العضوية، مقابل النماذج التي نشأت لاحقًا بدوافع مؤسسية واستثمارية.
من دلمون إلى المعاصرة: الامتداد الحضاري
لا يمكن فهم الفن البحريني دون العودة إلى حضارة دلمون، التي تركت بصمتها في الأختام المنقوشة والرموز البحرية والعمارة القديمة.
توضح الدراسة أن هذا الامتداد التاريخي لم يكن مجرد خلفية رمزية، بل شكّل بنية ذهنية وجمالية انتقلت عبر الزمن، لتظهر في أعمال الفنانين المعاصرين بصيغ حداثية.
وهنا تكمن فرادة البحرين أن الفن فيها ليس قفزة، بل طبقات متراكمة من الذاكرة البصرية.
لماذا يجب أن ينتبه المقتنون الآن؟
تؤكد الدراسة أن القيمة الحقيقية للأعمال البحرينية تكمن في بعدها التاريخي.
فالعمل الفني البحريني لا يمثل تجربة فردية فحسب، بل يمثل مرحلة تأسيسية في تاريخ الفن الخليجي
في ظل التحولات الحالية في أسواق الفن الإقليمية، يصبح اقتناء عمل بحريني بمثابة:
1-اقتناء وثيقة بصرية لمرحلة ما قبل الطفرة.
2-امتلاك جزء من السردية الأولى للفن الخليجي.
3-الاستثمار في تجربة ذات عمق ثقافي مثبت تاريخيًا.
إن ما يصعب تصنيعه بالاستثمار السريع هو التراكم، والبحرين تملكه.
المعرض السنوي( 52) 2026 : فرصة لاقتناء التاريخ الحي
يأتي معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية في نسخته الثانية والخمسين بوصفه تجسيدًا حيًا لهذا الامتداد.
المعرض ليس حدثًا موسميًا فحسب، بل هو استمرار لسلسلة بدأت منذ أكثر من نصف قرن، تجمع الرواد والجيل الوسيط والمعاصرين في فضاء واحد.
وللمقتنين والمهتمين بتاريخ الفن الخليجي، يمثل المعرض فرصة استثنائية لاقتناء أعمال
أ-لفنانين أسّسوا الحركة التشكيلية في المنطقة
ب-لفنانين يحملون إرثهم ويطوّرونه
ج-لجيل جديد يواصل كتابة التاريخ
إن كانت المنطقة اليوم تشهد ازدهارًا ثقافيًا، فإن البحرين تمثل الجذر التاريخي لهذا الازدهار ،ومن يدرك قيمة الجذور، يدرك أن اللحظة ليست للمشاهدة فقط — بل للاقتناء الواعي المدروس



(
(






