|  آخر تحديث ديسمبر 17, 2025 , 4:25 ص

صالح خطاب… حين تُفكِّر الألوان وتحلم الهندسة


صالح خطاب… حين تُفكِّر الألوان وتحلم الهندسة



 

 

حوار: شيرين فريد

 

في ذاكرة الفن السعودي، يقف الفنان التشكيلي صالح خطاب، ابن المدينة المنوّرة، بوصفه واحدًا من تلك الأصوات التشكيلية التي سبقت زمنها، وفتحت أفقًا بصريًا خاصًا، نبض بطاقة سريالية مشبعة بوعي واقعي عميق.

لم تكن اللوحة لديه سطحًا للرسم، بل مساحة للتأمل، منطقة عبور بين الواقع الملموس والخيال الحر، حتى غدت أعماله أقرب إلى خرائط نفسية للألوان والأشكال، تقود المتلقي إلى ما وراء المشهد.

في ضربات فرشاته الأولى تلوح الواقعية، وفي تداخل ألوانه تسكن البهجة، أما في عمق الرؤية فتظهر السريالية وقد اتخذت طابعًا عربيًا خالصًا—سريالية تنتمي إلى الأرض، لكنها تحلّق في الخيال في آنٍ واحد. لم يكن صالح خطاب أسير مدرسة فنية واحدة، بل اختار الحرية المطلقة في التعبير، مفتونًا بفكرة التحوّل بوصفها جوهر الفن ومعناه الأعمق.

 

 

في هذا اللقاء، يفتح الفنان مسار تجربته، لا باعتبارها سردًا زمنيًا، بل بوصفها رحلة وعي بصري.

اللوحة كمساحة بين الحلم والواقع

س: أعمالك تقف بين الواقعي والسريالي… كيف تُعرّف هذه المنطقة؟

ج: أنا لا أرى تعارضًا بين الحلم والواقع. الواقع مادة أولى، والحلم طريقة لرؤيته. اللوحة عندي ليست تسجيلًا لما أراه، بل لما أشعر به تجاه ما أراه.

ألوانه المبهجة لا تأتي بوصفها زينة بصرية، بل فلسفة قائمة بذاتها—احتفاء بالحياة، وتأكيدًا على جمالية التراث، ومشاركة في بناء المعنى لا في تزيين الشكل.

في أعماله يتراقص الأصفر مع الأحمر، وتتمازج الزرقة مع ظلٍّ ترابيٍّ دافئ، لتنشأ حالة انسجام بصري تبدو للوهلة الأولى عفوية، لكنها محكومة بوعي تركيبي دقيق.

 

 

اللون بوصفه فكرة

س: ألوانك جريئة وصافية… هل تختارها بالعاطفة أم بالعقل؟

ج: اللون يفكّر قبل أن يُرى. أؤمن أن لكل لون ذاكرة، وأن اختياره ليس لحظة انفعال فقط، بل نتيجة إحساس طويل.

صالح خطاب، القادم من مدينة النور والسكينة، يحوّل الصمت إلى لون. في كل لوحة من إرثه نص بصري يتجاوز الزمان والمكان، يلامس الفلسفة كما يلامس القلب.

أثره الفني لا يُمحى، لا لأنه قدّم أسلوبًا مميزًا فحسب، بل لأنه جعل من الفن لغة وعي كوني—وعيًا ملوّنًا، وشكلًا من أشكال البصيرة.

المشهد البصري بوصفه معمارًا

تتجلّى براعة أعماله في قدرته على تحويل المشهد البصري إلى بناء تشكيلي يتجاوز الإدراك الحسي نحو تأمل ذهني عميق. ليست أعماله مجرد تركيبات لونية مبهجة، بل معمار بصري يعيد تعريف العلاقة بين المساحة والضوء، بين الشكل والهندسة، بين الحلم والواقع.

س: نلاحظ انضباطًا هندسيًا واضحًا رغم البهجة اللونية… كيف يتحقق هذا التوازن؟

ج: الحرية لا تعني الفوضى. حتى أكثر الأعمال انفعالًا تحتاج إلى نظام خفي، وإلا فقدت قدرتها على التأثير فتتوزع المساحات اللونية كأنها موسيقى تُعزف بالبصر: الأزرق، البنفسجي، الأصفر، الوردي—ألوان صافية وجريئة، تتجاور بانسجام يثير العين ويدعو الفكر إلى الغوص في عمقها الرمزي.

الهندسة التي تحلم

يكشف صالح خطاب عن فكر بصري واثق، وعن فهم عميق لبنية العمل الفني. تتداخل المستويات الهندسية في إيقاع محسوب، دون أن تفقد حميمية اللون أو دفء الروح. تتكسر الأشكال وتتوحّد في لعبة تجريدية ذكية، تُعيد بناء العالم كما لو كان مرآة لأحلام الفنان.

إنه فنان يؤمن بأن اللون قادر على التفكير، وأن الهندسة يمكن أن تحلم فكل زاوية، وكل تقاطع، وكل انتقال بين نغمة لونية وأخرى، هو حوار دائم بين الحسّ والعقل، بين النظام والعفوية، بين البناء والانفعال.

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com