بقلم: د. أحمد طقش
الإعلام هو التبليغ ، أعني إيصال الرسالة للمتلقي بوضوح و كمال و جمال ، و كي تكون الرسالة تامة ، يجب أن تكون محددة بحدود علمية عملية إعلامية
ضبط المصطلحات تبعا لمفاهيم مركزة ، أمر مهم جدا في العلوم كلها ، لكنه يبدو ضرورة ملحاحة في الإعلام ، ما المقالة ؟ ، ما التحرير ؟ ، ما العمود الصحفي ؟ ، و ما الفرق بينه و بين الزاوية ؟
الكثير من الأسئلة الملتبسة ، بل الكثير من الأجوبة الشافية ، هي من يميز الإعلامي المحترف عن غيره
التحقيق هو البحث عن الحقيقة
ما حقيقة انعدام الكهرباء في مدينة ما ؟ ، يجرد الصحفي الماهر أسلحته ( عدسة التصوير و القلم ) ، و يهجم على تلك المدينة شاهرا موضوعيته ، باحثا عن حقيقة الخبر : هل انعدم التيار الكهربائي تماما في هذه المدينة ؟ عليه أن يسأل الأهالي ، ثم المسؤولين ، ثم مثلا رجال الدين بحثا عن مصداقية أكبر … و هكذا يجمع المعلومات ، ثم يحللها ، ثم يحررها ، ثم يصدر حكمه الذي يشبه هنا حكم القاضي : نعم الكهرباء منعدمة تماما في هذه المدينة ، أو نهائيا هذا غير صحيح ، كلام جرائد ، بل كلام معارضة مغرضة
أما التقرير فهو إقرار حقيقة ما ، يعرفها الجميع
الحج ، كأس العالم ، برج العرب ، الحرب العالمية ، هذه أزمنة و أمكنة يعرفها جميع القراء ، فليس المطلوب من الصحفي تحري المعلومات عنها ، و لا البحث عن حقيقة وجودها من عدمه …
الناس كل الناس متأكدون من زمان و مكان يوم عرفة ، و كذلك زمان و مكان مجريات تصفيات كأس العالم لكرة القدم ، و كذلك تاريخ بناء برج العرب و مكان وجوده ، و كذلك تفاصيل الحرب العالمية
و هذا هو الفرق الجوهري بين التحقيق المجهول و التقرير المعلوم
فادعاءات الصحافة الغربية مثلا بوجود نسبة ضخمة للبطالة في مدينة عربية ما ، بحاجة إلى تحقيق صحفي ، يظهر للقراء حقيقة أن البطالة هي 17 بالمئة و ليست 71 بالمئة كما ادعت الصحافة الصفراء
و ادعاءات الإعلام المغرض التي تبث إشاعات بوفاة رئيس أحد البلاد مثلا ، بحاجة إلى صحفي ماهر ، يصور تحقيقا مفصلا من داخل قصر الرئيس يظهره بصحة جيدة
و إشاعات اقتراب إعصار مدمر للبلدة ، يجب أن يفندها صحفي حاذق ، من داخل مبنى الأرصاد الجوية ، مع المدير المسؤول ، شارحا للمشاهدين أن هذه الإشاعات هي تخرصات لا أساس لها من الصحة
أما مثلا حديقة الزهور في المدينة ، فلا شكوك حولها ، يكفيها تقرير بسيط ، يشرح عن الغاية من إنشائها ، و عدد زهراتها
قل الشيء نفسه عن حركة الطيران ، تقرير عابر ، مفصل عن مواعيد الإقلاع و الهبوط لنشاط الطائرات يغني عن تحقيق لم يطلبه أحد ، و ليس له أي مسوغ
كذلك الحال مع موضوع التضخم ، أهالي البلدة مثلا ، كلهم يعرفون سلم الرواتب ، و كلهم يعرفون مقدار العملة المحلية مقارنة بالدولار ، فمجرد تقرير عادي يفي بالغرض ، لا يوجد حقيقة غامضة تستوجب البحث عنها لجلائها مثل أمثلتنا حول : البطالة / وفاة الرئيس / الإعصار المدمر
وهكذا فالتحقيق هو البحث عن حقيقة مفقودة ، غامضة ، غائبة
أما التقرير فهو إقرار حقيقة يعرفها الجميع لكنها بحاجة إلى إقرار



(
(




