تَكادُ تَحتفلُ مُعظمُ دُوَلِ العالَمِ في كُلِّ عامٍ بعيدِ استقلالِها، أو بيَومِ جلاءِ المُستعمِرِ عنها، وهذا مِمّا لا شَكَّ فيه شَأنٌ يَدفَعُ أصحابَ الأقلامِ والفِكرِ ومراكِزِ الدِّراساتِ للتوقُّفِ عند أسبابِه الّتي أَدَّتْ لاحتلالِ هذا البلدِ أو ذاك، ودِراسةِ الظُّروفِ الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ وغيرها، مِمّا ساعدَ المُحتلَّ على الاستمرارِ في غَيِّه وفَرضِ سياساتِه التَّوسُّعيّة.
ومعلومٌ إنّ أَغلبَ بُلدانِنا العربيّةِ تعرّضَتْ للاستعمارِ في مرحلةٍ من مراحلِ تاريخِها القديمِ أو الحديث، ولا سيّما منذ القَرنِ التاسعِ عشرَ والقرنِ العشرين، وبَعضُها للأسفِ ما زالَ حتّى هذا اليومِ يَئِنُّ تحتَ وَطأةِ الاستعمارِ ومُمارساتِه اللّاإنسانيّة.
ولعلّ نَظرةً سريعةً لفَهمِ عواملِ بَقاءِ هذا المُحتلِّ أو سِواه، في بلدٍ دونَ غيرِه، تُؤكِّدُ أنّ المشكلةَ ليست في الاحتلالِ بحدِّ ذاتِه على الرّغمِ من بشاعتِه وبَطشِه، بل في قابليّةِ أهلِ البلدِ واستسلامِهم له، وقناعتِهم أنّ هذا قَدَرُهم ولا يُمكنُهم التخلُّصُ منه!!
وهذا خُضوعٌ وخُنوعٌ لا مُبرِّرَ له أبدًا؛ فلقد قالَ مالكُ بن نبيّ: “إنّ مشكلتَنا ليستْ في الاستعمارِ بحدِّ ذاتِه، بل في القابليّةِ للاستعمار؛ فالأمّةُ الّتي تَفقِدُ وعيَها وتَستسلِمُ للضَّعفِ والتَّخلُّفِ هي الّتي تَفتحُ أبوابَها للغُزاة، والحلُّ لا يكونُ بمقاومةِ الاستعمارِ فقط، بل ببناءِ نهضةٍ فكريّةٍ وعلميّةٍ تجعلُ الأمّةَ قادِرةً على الاستقلالِ الحقيقيّ”.
ولَنا في تاريخِنا الكثيرُ من الأحداثِ الّتي بَرهنَتْ أنّ الإرادةَ في التَّخلُّصِ من المُستعمِرِ ومُقاومتِه أهمُّ من القوّةِ العسكريّةِ الّتي يُرهِبُنا بها ويَمتلِكُها؛ أَلَمْ يُدمِّرْ المغولُ بقيادةِ “هولاكو حفيدِ جنكيز خان” الخلافةَ العبّاسيّةَ، ومعَها الكثيرَ من حضارةِ العربِ والمُسلمين؟!! بل وسيطروا على مُعظمِ دولِ المشرقِ – آنذاك – الّتي كانت في طريقِهم لاحتلالِ مصرَ وإخضاعِ المماليك!!
نَعَم، فعلَ المُحتلُّونَ ما عَجِزَ المؤرّخونَ عن وَصفِه، لكنّ إرادةَ المماليكِ في مواجهةِ الغزاةِ صَنَعَتْ مُعجزةً هَزَمَتِ العدوَّ في معركةِ عينِ جالوت، وغيّرت مجرى التّاريخ!!.
ما أَحوجَ مُجتمعاتِنا ودُوَلَنا اليومَ للوقوفِ وِقفةً مع الذّاتِ دونَ بكاءٍ على الأطلالِ أو تَهرُّبٍ من المسؤوليّات، للنّهوضِ مُجدّدًا، ولَدينا كُلُّ الإمكانيّاتِ الماديّةِ والجغرافيّةِ والتاريخيّةِ، وقبلَ كُلِّ شيءٍ الفكريّةِ البشريّةِ والعلميّةِ لنَكونَ كما كُنّا في يَومٍ من الأيّامِ في مَصافِّ الدُّوَلِ والشُّعوبِ!!!
وهذا يَتطلّبُ منّا بدايةً رفضًا لكُلِّ أشكالِ التبعيّة، ولا سيّما الثقافيّةِ منها، للحفاظِ على استقلالِنا وسيادةِ بُلدانِنا، وأن نَبتعدَ عن التّقليدِ الأعمى لعاداتِ مجتمعاتٍ تَبعُدُ عنّا آلافَ الأميال، وعلينا أن نُدرِكَ أنّنا قادرونَ على تغييرِ مَسارِ الأحداثِ مهما كانتِ الأمواجُ عاتية، إنِ امتلكْنا خُطّةَ عملٍ واضحةً وصادقة، وسعينا جاهدين للوصولِ لأهدافِنا مُعتمِدينَ على ما نملك.
فلا يُمكنُنا أن نَصنعَ المَجدَ الّذي نُريدُهُ بتقليدِ خُطى الآخرينَ في سائرِ المجالاتِ الّتي طَرَقوها، بل علينا أن نَفتحَ دُروبًا جديدةً خارجَ الصُّندوق، مع الاستفادة مع تجارب وحضارات الشعوب.
ختامًا: أَستشهدُ ثانيةً بما كتبَهُ مالكُ بن نبيّ قبل خمسينَ عامًا، وما زال صالحًا لأيّ أمة تريد النهوض، إذ يقول:”وإنّها لَشِرعةُ السّماءِ، غَيِّرْ نفسَك تُغيِّرِ التّاريخ.”
بقلم: عبد العزيز محمود المصطفى
كاتب وأكاديمي



(
(






