|  آخر تحديث نوفمبر 1, 2025 , 3:01 ص

فاروق حسني.. بين رهافة الفنان ورؤية الوزير


فاروق حسني.. بين رهافة الفنان ورؤية الوزير



 

 

بقلم: شيرين فريد

 

 

 

في المشهد الثقافي العربي، قلّما يجتمع في شخصية واحدة الحس الفني العميق مع القدرة الإدارية والتنظيمية الرفيعة، غير أن فاروق حسني – الفنان التشكيلي ووزير الثقافة المصري الأسبق – كان استثناءً لهذه القاعدة. فهو الفنان الذي حمل ريشةً في يدٍ، ورؤية وطنية في اليد الأخرى، فاستطاع أن يترك أثرًا خالدًا في الوجدان الفني وفي البنية الثقافية المصرية الحديثة.

 

 

 

الفنان الذي خرج من الإسكندرية إلى العالم

 

وُلد فاروق حسني في الإسكندرية عام 1938، في مدينةٍ عُرفت بتنوعها الثقافي واحتضانها للفنون، ما ترك أثرًا عميقًا في تكوينه الإبداعي. تخرّج في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1964، وسرعان ما اتجه إلى العمل في المجال الثقافي والإداري، حتى تولّى إدارة الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وهناك بزغت موهبته كجسر ثقافي بين مصر والعالم.

تأثر فاروق حسني بالمدرسة التجريدية، فكانت لوحاته انعكاسًا لتجربته الداخلية الغنية، يغلب عليها اللون والضوء والحركة. في أعماله يختلط الحلم بالواقع، وتتحول الخطوط إلى موسيقى بصرية، حتى وصفه النقاد بأنه “الفنان الذي يرسم الصمت بحركة.”

 

 

من الريشة إلى الوزارة

في عام 1987 عُيّن فاروق حسني وزيرًا للثقافة، فبدأت حقبة جديدة في تاريخ الثقافة المصرية امتدت لأكثر من عقدين. كانت فكرته عن الثقافة تقوم على الانفتاح، والتنوع، والتجديد. آمن بأن الثقافة ليست ترفًا بل “قوة ناعمة” تصنع صورة الوطن في الداخل والخارج.

في عهده أُعيد ترميم وتطوير العديد من المعالم الثقافية، مثل دار الأوبرا المصرية، ومتحف محمود سعيد بالإسكندرية، والمتحف القومي للحضارة المصرية، كما أُطلقت مشاريع كبرى مثل المتحف المصري الكبير الذي اعتبره “هدية مصر للإنسانية.”

كان يؤمن بأن الثقافة يجب أن تكون في كل بيت، وأن الفن يجب أن يخرج من أسواره الأكاديمية إلى الناس، لذا دعم مهرجانات المسرح والموسيقى والسينما، وفتح الأبواب أمام المبدعين الشباب.

 

 

 

المتحف المصري الكبير… رؤية تتجاوز الزمان

 

ربما يُعدّ المتحف المصري الكبير عند أهرامات الجيزة أبرز أحلام فاروق حسني وأكثرها طموحًا. جاءت فكرته في التسعينيات حين رأى أن كنوز الحضارة المصرية تحتاج إلى عرض يليق بعظمتها. لم يرد أن يكون المتحف مجرد مخزن للآثار، بل مدينة حضارية متكاملة تجمع بين العلم والفن والتاريخ.

واليوم، وبعد سنوات من العمل، يقف المتحف شاهدًا على رؤية فنان آمن بأن الهوية المصرية يجب أن تُقدَّم للعالم بعيون معاصرة وبوسائط عالمية.

 

 

رؤية فكرية وإنسانية

 

 

لم يكن فاروق حسني مجرد مسؤول، بل مفكر صاحب مشروع ثقافي. تحدث كثيرًا عن “التنوير” بمعناه الواسع، ورأى أن الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في مناخ من الحرية الفكرية والجمال الروحي.

وفي لوحاته كما في قراراته، كان الجمال فكرة مركزية. لم يكن الفن عنده زينة للحياة، بل ضرورة وجودية.

حتى حين خاض منافسة عالمية على منصب مدير عام اليونسكو عام 2009، حمل معه فكرة الحوار بين الحضارات لا صراعها، مؤمنًا أن الفن لغة عالمية قادرة على بناء الجسور بين الشعوب.

 

 

فاروق حسني الفنان… ما بعد الوزارة

 

 

بعد خروجه من الوزارة عام 2011، عاد إلى مرسمه وإلى ذاته. لم يتوقف عن الرسم أو العطاء، بل أسس مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون عام 2020، لتصبح منصة لدعم الشباب المبدعين في مجالات الفنون التشكيلية والنقد المعماري والموسيقى.

يقول حسني في أحد حواراته: “الفن هو الحياة كما أراها وأتنفسها، واللوحة هي وطني الصغير الذي أعود إليه بعد كل معركة.”

 

 

بين الجدل والتجديد

 

لم تخلُ مسيرته الطويلة من الجدل، فشخصية بحجم مشروعه لا بد أن تثير النقاش. غير أن هذا الجدل نفسه كان علامة على حيوية التجربة وجرأتها. فقد خاض معارك فكرية دفاعًا عن حرية الإبداع، وعن حق الفنان في أن يختلف.

ومهما اختلفت المواقف حوله، يبقى فاروق حسني رمزًا لمرحلة ذهبية في الثقافة المصرية، واسمًا ارتبط بمشاريع كبرى ساهمت في ترسيخ مفهوم “الثقافة الوطنية الحديثة.”

إن الحديث عن فاروق حسني هو حديث عن جيلٍ كامل من المثقفين المصريين الذين آمنوا بأن الفن يمكن أن يصنع التغيير، وأن الجمال في جوهره رسالة.

 

هو الفنان الذي لم ينسَ أن اللون يمكن أن يكون موقفًا، والمثقف الذي أدرك أن الحضارة لا تُبنى بالحجارة فقط، بل بالفكر والإبداع.

فاروق حسني، الفنان الذي حمل ذاكرة وطنٍ كاملة في لوحاته، وترك بصمة في وجدان أمة بأكملها.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com