بقلم: يانا العلي
في زمن المنصّات السريعة، لم يعد الحدث هو ما يصنع التريند، بل التريند هو من يصنع الحدث.
أصبح كل تفصيل يومي قابلاً لأن يتحوّل إلى موجة رقمية تبتلع الوعي العام، وتحوّل حياة أشخاص إلى قصص تُروى، أو مأساة تُستهلك، أو مادةٍ للسخرية المؤقتة.
ما إن يقع موقف صغير حتى يبدأ جمهور «المراقبين» بالتحليل، والهجوم، والتأويل، وكأننا أمام محكمة جماهيرية لا تملك قانونًاً سوى عدد المشاهدات والإعجابات.
لكن ما لا نلتفت إليه غالباً هو الجانب الإنساني في هذا كله: ماذا يحدث للشخص الذي يصبح فجأة ترينداً ؟وكم من الأذى النفسي يمكن أن تسببه لحظة انتشار عابرة؟
التريند في جوهره ليس سيئاً؛ هو أداة لإيصال صوت أو فكرة أو موقف.
لكن خطورته تبدأ حين يتحوّل من وسيلة للتعبير إلى وسيلة للانقضاض أو التشويه.
ففي غياب الوعي الجمعي، يصبح «التريند السلبي» ظاهرة مؤذية تشبه العدوى، تنتشر بسرعة وتترك خلفها آثاراً عميقة في النفس والمجتمع.
ما حدث مؤخراً بين الإعلامية هالة سرحان والمراسلة اللبنانية جاسينت عنتر مثال واضح على ذلك.
في ملتقى الإعلام العربي، طرحت المراسلة سؤالاً مباشراً ل هالة سرحان دون أن تعرف من تكون، مما أثار تفاعلًاً كبيراً على المنصّات.
وفي لحظة بث حي، تحوّل المشهد إلى «مادة تريند»، يتداولها الناس بنهم بين ناقدٍ وساخرٍ ومتعاطف.
لكن إذا ما تأملنا الموقف بعمق، نجد أن ما جرى لا يستحق هذا الحجم من الهجوم أو السخرية.
فالمراسلة شابة، (ربما )لم تتح لها فرصة التحضير الكافي قبل اللقاء.
وفي المقابل، كان يمكن لهالة سرحان – وهي إعلامية مخضرمة – أن تدير الموقف بسلاسة أكبر.
أي أن الموقف كان يمكن أن يمر ببساطة لو لم يتحوّل إلى «وليمة رقمية» شارك فيها الآلاف بالتعليقات الساخرة والتحليلات الانفعالية.
هنا تظهر خطورة التريند السلبي، الذي لا يكتفي بتشويه اللقطة، بل يُعيد صياغة القصة كلها على مقاس الإثارة.
فالتريند لا يبحث عن الحقيقة، بل عن العنوان الجاذب والمشهد القصير القابل للمشاركة.
ووسط هذا الزحام، تضيع إنسانية الأشخاص، وتُختزل جهودهم أو مسيرتهم في لحظة واحدة عابرة.
من منظور نفسي، الدراسات الحديثة أشارت إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون لموجات نقد أو سخرية إلكترونية يعانون من أعراض احتراق نفسي تشبه تماماً تلك التي تصيب ضحايا التنمر.
إذ يشعرون بالعجز، وبالظلم، وبأن هويتهم تُنتزع منهم أمام جمهور غير مرئي لا يرحم.
والأخطر أن ذلك يولّد شعوراً بالخوف من الظهور أو التعبير، فيتحوّل الصمت إلى وسيلة حماية.
الإعلام الرقمي الحديث بحاجة ماسة إلى ميثاق أخلاقي جديد، يعيد التوازن بين حرية التعبير واحترام الكرامة الإنسانية.
فليس كل ما يُنشر يستحق أن يتحول إلى قضية، وليس كل خطأ يحتاج إلى محاكمة علنية.
التريند، إذا أُحسن توجيهه، يمكن أن يكون أداة وعي وتغيير، لكنه حين يُستخدم للتهكم والإلغاء، يصبح شكلاً جديداً من العنف النفسي.
الشهرة الرقمية لم تعد دليل نجاح، بل قد تكون عبئاً ثقيلاً.
وفي زمنٍ يقيس فيه الناس قيمتهم بعدد المتابعين، علينا أن نتذكر أن الإنسان أهم من اللقطة، والكرامة أسمى من التفاعل.
ما نكتبه أو نشاركه يمكن أن يُسعد أو يُدمّر أحداً دون أن ندري.
فلنستخدم المنصات بوعي، ولنُفرّق بين النقد والبَتر، بين الرأي والإهانة، بين الحقيقة والضجيج.
فالتريند يزول… لكن الأثر النفسي يبقى طويلاً كظلٍ لا يغيب.



(
(





